أحمد بن محمد القسطلاني

62

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

لا يطلق على سؤال المريدين في ابتدائهم اسم الوجوب ، وإنما جرت عادة الشيوخ في تهذيب أخلاق المبتدئين بفعل ذلك لكسر أنفسهم إذا كان في ذلك إصلاحهم ، فأما الوجوب الشرعي فلا . وفي حديث ابن الفراسي مما رواه أبو داود والنسائي أنه قال : يا رسول الله أسأل ؟ فقال : لا وإن كنت سائلاً لا بدّ فاسأل الصالحين أي من أرباب الأموال الذين لا يمنعون ما عليهم من الحق وقد لا يعلمون المستحق من غيره ، فإذا عرفوا بالسؤال المحتاج أعطوه مما عليهم من حقوق الله أو المراد من يتبرك بدعائهم وترجى إجابتهم ، وحيث جاز السؤال فيجتنب فيه الإلحاح والسؤال بوجه الله لحديث المعجم الكبير عن أبي موسى بإسناد حسن عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال : " ملعون من سأل بوجه الله وملعون من سئل بوجه الله " فمنع سائله ما لم يسأل هجرًا . وفي حديث الباب التحديث والإخبار والعنعنة وثلاثة من التابعين ، وأخرجه المؤلّف أيضًا في الوصايا وفي الخمس والرقاق ، ومسلم في الزكاة ، والترمذي في الزهد ، والنسائي في الزكاة . 51 - باب مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ وَلاَ إِشْرَافِ نَفْسٍ { وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ } [ الذاريات : 19 ] ( باب من أعطاه الله شيئًا من غير مسألة ولا إشراف نفس ) فليقبله ( { وفي أموالهم } ) أي المتقين المذكورين قبل هذه الآية ( { حق للسائل والمحروم } ) [ الذاريات : 19 ] المتعفف الذي لا يسأل . رواه الطبري من طريق ابن شهاب ، وفي رواية المستملي تقديم الآية وسقطت للأكثر كذا قاله في الفتح ، والذي في الفرع وأصله باب : من أعطاه الله شيئًا من غير مسألة ولا إشراف نفس وفي هامشها لأبي ذر عن المستملي باب بالتنوين : { وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ } . 1473 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ - رضي الله عنهما - قَالَ : سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ : " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعْطِينِي الْعَطَاءَ فَأَقُولُ : أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي ، فَقَالَ : خِذْهُ ، إِذَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ شَىْءٌ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلاَ سَائِلٍ ، فَخُذْهُ ، وَمَا لاَ فَلاَ تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ " . [ الحديث 1473 - طرفاه في : 7163 ، 7164 ] . وبالسند قال : ( حدّثنا يحيى بن بكير ) بضم الموحدة وفتح الكاف قال : ( حدّثنا الليث ) بن سعد الإمام ( عن يونس ) بن يزيد الأيلي ( عن ) ابن شهاب ( الزهري عن سالم أن ) أباه ( عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال سمعت ) أبي ( عمر ) بن الخطاب - رضي الله عنه - ( يقول : كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعطيني العطاء ) أي بسبب العمالة كما في مسلم لا من الصدقات فليست من جهة الفقر ( فأقول : أعطه من هو أفقر إليه مني ) عبر بأفقر ليفيد نكتة حسنة وهى كون الفقير هو الذي يملك شيئًا ما لأنه إنما يتحقق فقير وأفقر إذا كان الفقير له شيء يقل ويكثر ، أما لو كان الفقير هو الذي لا شيء له البتة كان الفقراء كلهم سواء ليس فيهم أفقر قاله صاحب المصابيح ( فقال ) عليه الصلاة والسلام : ( خذه ) أي بالشرط المذكور بعد ، وزاد في رواية شعيب عن الزهري في الأحكام : فتموّله وتصدق به أي أقبله وأدخله في ملكك ومالك ، وهو يدل على أنه ليس من أموال الصدقات لأن الفقير لا ينبغي أن يأخذ من الصدقات ما يتخذه مالاً ( إذا جاءك من هذا المال شيء ) أي من جنس المال ( وأنت غير مشرف ) بسكون الشين المعجمة بعد الميم المضمومة ، والجملة حالية أي غير طامع ، والإشراف أن يقول مع نفسه يبعث إلي فلان بكذا ( ولا سائل ) ، أي ولا طالب له وجواب الشرط في قوله إذا جاءك قوله ( فخذه ) وأطلق الأخذ أولاً وعلقه ثانيًا بالشرط فحمل المطلق على المقيد وهو مقيد أيضًا بكونه حلالاً ، فلو شك فيه فالاحتياط الرد وهو الورع . نعم يجوز أخذه عملاً بالأصل وقد رهن الشارع عليه الصلاة والسلام درعه عند يهودي مع علمه بقوله تعالى في اليهود : { سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ } [ المائدة : 42 ] وكذلك أخذ منهم الجزية مع العلم بأن أكثر أموالهم من ثمن الخنزير والخمر والمعاملة الفاسدة . وقيل : يجب أن يقبل من السلطان دون غيره لحديث سمرة المروي في السنن : إلا أن يسأل ذا سلطان ( وما لا ) يكون على هذه الصفة بأن لم يجيء إليك ومالت نفسك إليه ( فلا تتبعه نفسك ) في الطلب واتركه . وأخرجه المؤلّف أيضًا ومسلم في الزكاة وكذا النسائي . 52 - باب مَنْ سَأَلَ النَّاسَ تَكَثُّرًا ( باب من سأل الناس تكثرًا ) نصب على المصدر أي سؤال تكثر أي مستكثر المال بسؤاله لا يريد به سدّ الخلة قاله في التنقيح ، أو نصب على الحال إما بأن يجعل المصدر نفسه حالاً على جهة المبالغة نحو : زيد عدل أو بأن يقدر مضاف أي ذا تكثر ، ويجوز أن يكون منصوبًا على المصدر التأكيدي لا النوعي أي يتكثر تكثرًا ، والجملة الفعلية حال أيضًا قاله في المصابيح ، وجواب الشرط محذوف أي من سأل لأجل التكثر فهو مذموم .